عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
18
اللباب في علوم الكتاب
والسلام : « إذا علمت مثل الشّمس فاشهد » والشيء الذي أخبر اللّه تعالى عنه فهو معلوم مثل الشمس ، فوجب جواز الشّهادة عليه . والثاني : قالوا معنى الآية : لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحقّ فيها ، قال ابن زيد رحمه اللّه تعالى : الأشهاد الأربعة : الملائكة الموكلون بإثبات أعمال العباد ، قال تعالى : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ ق : 21 ] . وقال : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 18 ] وقال : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ [ الانفطار : 10 - 12 ] . وثانيها : شهادة الأنبياء ، وهو المراد بقوله حاكيا عن عيسى عليه الصلاة والسلام : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ المائدة : 117 ] . وقال تعالى في حق سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم وأمته في هذه الآية : « لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً » . وقال في حق - محمد صلى اللّه عليه وسلم : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء : 41 ] . وثالثها : شهادة أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - خاصة ، قال تعالى : وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ [ الزمر : 69 ] . وقال تعالى : وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [ غافر : 51 ] . ورابعها : شهادة الجوارح ، وهي بمنزلة الإقرار ، بل أعجب منه . قال تعالى : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ [ النور : 24 ] . الآية ، وقال : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ [ يس : 65 ] الآية . القول الثاني : أن أداء هذه الشهادة إنما يكون في الدنيا ، وتقديره أن الشهادة والمشاهدة والشهود هو الرؤية يقال : شاهدت كذا إذا رأيته وأبصرته . ولما كان بين الإبصار بالعين وبين المعرفة بالقلب مناسبة شديدة ، لا جرم قد تسمى المعرفة التي في القلب : مشاهدة وشهودا ، والعارف بالشيء : شاهدا ومشاهدا ، ثم سميت الدلائل على الشيء : شاهدا على الشيء ، لأنها هي التي بها صار الشاهد شاهدا ، ولما كان المخبر عن الشيء والمبيّن لحاله جاريا مجرى الدليل على ذلك سمي ذلك المخبر أيضا شاهدا ، ثم اختصّ هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة . إذا ثبت هذا فنقول : إن كلّ من عرف حال شيء وكشف عنه كان شاهدا عليه ، واللّه سبحانه وتعالى وصف هذه الأمة بالشهادة ، فهذه الشهادة : إما أن تكون في الآخرة ، أو في الدنيا ، ولا جائز أن تكون في الآخرة ؛ لأن اللّه